فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى : * ( ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً * لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) * ( طه : 105 - 107 ) ولقوله : * ( وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ) * ( الواقعة : 5 ، 6 ) والنوع الثاني : من أحوال القيامة قوله تعالى : * ( وترى الأرض بارزة ) * وفي تفسيره وجوه : أحدها : أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات ، ولا شيء من الجبال ، ولا شيء من الأشجار ، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من قوله : * ( لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) * . وثانيها : أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف ، ودليله قوله تعالى : * ( وألقت ما فيها وتخلت ) * ( الانشقاق : 4 ) وقوله : * ( وأخرجت الأرض أثقالها ) * ( الزلزلة : 2 ) وقوله : * ( وبرزوا لله جميعاً ) * . وثالثها : أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار ، فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة . والنوع الثالث : من أحوال القيامة قوله : * ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ) * والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحداً ، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحداً إلا وجمعناهم لذلك اليوم ، ونظيره قوله تعالى : * ( قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) * ( الواقعة : 49 ، 50 ) ومعنى لم نغادر لم نترك ، يقال : غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء ، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول ، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها . ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : * ( وعرضوا على ربك صفاً ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفاً واحداً ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً ، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق الصفصف للصحراء . وثانيها : لا يبعد أن يكون الخلق صفوفاً يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفاً صفوفاً كقوله : * ( يخرجكم طفلاً ) * ( غافر : 67 ) أي أطفالاً . وثالثها : صفاً أي قياماً ، كما قال تعالى : * ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) * ( الحج : 36 ) قالوا قياماً . المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : * ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) * ( الفجر : 22 ) يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفاً ، وكذلك قوله تعالى : * ( لقد جئتمونا ) * يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضاً عليه ، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم ، ثم قال تعالى : * ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) * وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه ، لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار :